الأمير الحسين بن بدر الدين

53

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المحل الواحد من الجنس الواحد على الوجه الواحد بأزيد من مقدور واحد ، إذ لو تعدّت ولا حاصر لتعدّت إلى ما لا نهاية له ، ومعلوم خلاف ذلك ؛ لأنّ القول بتعدّيها يزيل التفاضل بين القادرين ، وقد علمنا خلاف ذلك ؛ وقد ثبت أنه تعالى قادر لا بقدرة ، فيجب أن لا ينحصر مقدوره في الجنس ولا في العدد . وإذ قد ذكرنا « 1 » أن بعض العدلية قد ذهب إلى أنه تعالى غير قادر على أعيان مقدورات العباد ؛ فلأنّ عين المقدور الواحد يستحيل أن يكون مقدورا لقادرين ، والله تعالى إنّما يوصف بكونه قادرا على ما يصح دون ما يستحيل . وإنّما قلنا : بأنّه يستحيل مقدور بين قادرين ؛ لأنّه لو كان صحيحا ثم دعى أحدهما داع مكين إلى إيجاد ذلك المقدور ، والآخر صرفه صارف مكين عن إيجاده لم يخل إمّا أن يحصل مراداهما « 2 » ، أدى ذلك إلى أن يكون موجودا بحسب داعي أحدهما ، وإلى أن يكون معدوما بحسب صارف الآخر ، فيكون موجودا معدوما وذلك محال . أو لا يحصل مراداهما جميعا وذلك محال ، لأنّه يخرج عن كونه مقدورا لواحد منهما . أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر فذلك محال ؛ لأنّ من حق القادر أن يحصل فعله عند دعاء الداعي المكين ، وأن لا يحصل عند حصول الصارف المكين . وقد أدى إلى هذه المحالات القول بمقدور بين قادرين ، فيجب أن يكون محالا ، وفيه نظر « 3 » .

--> ( 1 ) لعله يريد قوله في أول الفصل : أجناس المقدورات ، تعليق على قول بعض العدلية يقال بالنظر إلى قدسيته لا يعجزه شيء ، وبالنظر إلى حكمته لا يفعل مقدورات عباده لئلا يبطل الثواب والعقاب ، ثم إن عين مقدور العبد يستحيل أن يكون فعلا لغيره وهو ما قصده بعض العدلية . ( 2 ) في بقية النسخ ( مرادهما ) . ( 3 ) المقدور بين قادرين متفقين لا مختلفين يمكن حصوله وفاقا لأبي الحسين البصري من المعتزلة ، وخالف بعض متأخري الزيدية كالمهدي عليه السّلام وغيره من الشيعة وجمهور المعتزلة ، فقالوا : إنه محال فلا تتعلق قدرة قادر بعين ما تعلقت به قدرة قادر آخر ،